![]() |
| هل يدفع الذكاء الاصطناعي اقتصادات دول كاملة نحو الهامش؟ |
علاوة على ذلك، تواجه الدول الفقيرة قيودًا إضافية مثل ضعف نظم التعليم الرقمي، محدودية التمويل، وغياب السياسات الفعالة لإعادة تأهيل القوى العاملة. جميع هذه العوامل تجعل من الممكن أن يؤدي اعتماد الذكاء الاصطناعي إلى زيادة التفاوت الاقتصادي والاجتماعي بين الدول، حيث تستفيد الاقتصادات الكبرى من الذكاء الاصطناعي لتعزيز القطاعات عالية القيمة مثل التمويل والتصنيع المتقدم والأدوية والدفاع، بينما تقل قدرة الدول الفقيرة على المنافسة حتى في القطاعات التقليدية القائمة على العمالة منخفضة التكلفة.
الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة تقنية بل أصبح عاملًا مؤثرًا في السياسات الاقتصادية والاستراتيجية للدول، ويشكل تهديدًا للتوازن العالمي إذا لم يتم وضع سياسات عادلة ومتكاملة لضمان استفادة جميع الدول من هذه التكنولوجيا الحديثة.
فجوة قدرات تتسع
![]() |
| هل يدفع الذكاء الاصطناعي اقتصادات دول كاملة نحو الهامش؟ |
في المقابل، تواجه الدول منخفضة الدخل قيودًا كبيرة، إذ أن اتصال الإنترنت محدود، وتكاليف الوصول للإنترنت عالية جدًا، ما يحد من القدرة على استخدام التعليم الرقمي وتدريب القوى العاملة على المهارات المستقبلية. على سبيل المثال، في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، لا يتجاوز متوسط معدل الاتصال بالإنترنت 35% من السكان، ويصل في بعض الدول إلى أقل من 20%.
الفجوة التقنية تتحول سريعًا إلى فجوة في فرص النمو الاقتصادي. الدول الغنية تستثمر في القطاعات عالية القيمة مثل التمويل، الصناعات الدوائية، الذكاء الاصطناعي، الدفاع، والتصنيع المتقدم، بينما تواجه الدول النامية صعوبة في المنافسة حتى في القطاعات التقليدية. الأتمتة والتقنيات الجديدة تقلل الحاجة إلى العمالة منخفضة التكلفة، ما يقلص فرص الدول الفقيرة في الاستفادة من النمو الصناعي.
الصين، على سبيل المثال، طورت نماذج مفتوحة للذكاء الاصطناعي تساعدها في تعزيز قطاع التصنيع والتكنولوجيا، لكنها لا تزال متأخرة نسبيًا عن الولايات المتحدة في حجم الاستثمارات وعدد المشاريع الرائدة. أما الدول النامية، فهي غير قادرة على المنافسة في الابتكار وتطوير الحلول التقنية، ما يكرس الفجوة الاقتصادية بين الدول الغنية والفقيرة.
الفجوة في القدرات التقنية ليست مجرد أرقام، بل تؤدي إلى عدم تكافؤ الفرص في التوظيف، التعليم، والابتكار، ما يزيد من التفاوت الاجتماعي والاقتصادي. السياسات العامة التي تستهدف الاستثمار في البنية التحتية الرقمية والتعليم المستدام، مع تعزيز الوصول إلى التمويل والابتكار، تعتبر العامل الوحيد القادر على تقليص هذه الفجوة بشكل مستدام.
صدمات غير متكافئة
![]() |
| هل يدفع الذكاء الاصطناعي اقتصادات دول كاملة نحو الهامش؟ |
أما الدول منخفضة الدخل، فهي تواجه ضعفًا في شبكات الأمان الاجتماعي، ارتفاع العمالة غير الرسمية، ومحدودية الموارد المالية، ما يجعل أي صدمة اقتصادية نتيجة الأتمتة أو التحولات الرقمية أكثر حدة. على سبيل المثال، بنغلاديش والهند تواجهان خطر فقدان ملايين الوظائف في صناعات مثل الملابس والخدمات البسيطة بسبب الأتمتة، ما قد يزيد من معدلات الفقر ويقلل من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
الذكاء الاصطناعي يمكن أن يؤدي إلى تحولات غير متكافئة بين الدول، حيث تستفيد الاقتصادات الكبرى من زيادة الإنتاجية وتعزيز الكفاءة، بينما تعاني الدول الفقيرة من فقدان فرص العمل وتراجع النمو. ولذلك، تحتاج الدول النامية إلى استراتيجيات شاملة للاستثمار في البنية التحتية الرقمية، تطوير التعليم الرقمي، وتعزيز سياسات الحماية الاجتماعية لتقليل الآثار السلبية للتحول الرقمي.
نماذج التنمية التقليدية تحت الضغط
![]() |
| هل يدفع الذكاء الاصطناعي اقتصادات دول كاملة نحو الهامش؟ |
الخدمات الموجهة للتصدير، مثل مراكز الاتصال وخدمات تكنولوجيا المعلومات، تواجه أيضًا تهديدًا كبيرًا، إذ أصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على أداء هذه المهام بكفاءة أعلى وبتكلفة أقل. هذا التغيير يقلل من الاعتماد التاريخي على العمالة منخفضة التكلفة في الدول النامية، ويهدد مصادر الدخل الأساسية لهذه الدول.
الحلول البديلة ليست واضحة بعد، إذ أن الاستثمار في الخدمات الرقمية، الابتكار، وتطوير المهارات يتطلب موارد كبيرة ونظم تعليمية متقدمة، وهو ما تفتقر إليه العديد من الدول النامية. هذا يضع هذه الدول تحت ضغط مستمر لإعادة هيكلة اقتصادها لتواكب التحولات التكنولوجية.
الإنسان قبل التقنية
يجب أن يكون الإنسان محور التركيز قبل التقنية نفسها. الفئات الأكثر ضعفًا، مثل كبار السن، المجتمعات الريفية، النساء العاملات في القطاعات غير الرسمية، معرضة للاستبعاد من فوائد التحول الرقمي. حوالي ربع سكان آسيا والمحيط الهادئ لا يزالون خارج الإنترنت، ما يحرمهم من التعليم الرقمي، فرص العمل الجديدة، وأنظمة الدفع والخدمات الرقمية الأساسية.
كما يحذر التقرير من مخاطر الهجمات السيبرانية المؤتمتة، والتزييف العميق، وانتهاكات الخصوصية، مؤكدًا ضرورة وضع أطر تنظيمية صارمة لضمان استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل عادل وشفاف. السياسات يجب أن تركز على ديمقراطية الوصول للتقنيات الحديثة، بما يضمن استفادة كل فئة اجتماعية وكل دولة من التحولات الرقمية، وليس فقط الاقتصادات الكبرى.
المستقبل لم يُكتب بعد
رغم كل التحديات، فإن مستقبل الذكاء الاصطناعي ليس مكتوبًا بعد. السياسات الصحيحة، مثل تعزيز التعليم الرقمي، الاستثمار في البنية التحتية، وتطوير شبكات الأمان الاجتماعي، يمكن أن تجعل الذكاء الاصطناعي رافعة للتنمية الشاملة وليس أداة لتكريس التفاوت العالمي.
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يؤكد على ضرورة أن يكون الهدف المركزي هو: "ديمقراطية الوصول إلى الذكاء الاصطناعي، بحيث تستفيد منه كل دولة وكل مجتمع، مع حماية الفئات الأكثر عرضة للصدمات". وهذا يشمل وضع سياسات تعليمية قوية، الاستثمار في إعادة تأهيل العمالة، وتوفير البنية التحتية الرقمية اللازمة لدعم التحولات الاقتصادية.
الذكاء الاصطناعي يحمل إمكانيات هائلة لتعزيز النمو، تحسين الإنتاجية، وتوفير حلول مبتكرة للتحديات العالمية، لكنه يحتاج إلى رؤية استراتيجية شاملة تضمن استفادة الجميع، وتقليل التفاوت بين الدول والشرائح الاجتماعية المختلفة.



