فنزويلا والتصعيد العسكري الأمريكي: تحليل شامل للأزمة السياسية والاقتصادية في دولة النفط الأكبر عالمياً"
![]() |
| فنزويلا ولعنة النفظ |
هذه المقدمة لا تشرح فقط تسلسل الأحداث بل تضعنا أمام سؤال مركزي: هل ما نشهده حملة ضغط متواصلة تهدف إلى تقويض نظام مادورو سياسياً واقتصادياً، أم أننا أمام تهيئة لسيناريو عسكري محدود أو أوسع؟ لِنحلل الآن خلفيات الدولة الفنزويلية وثقلها الاستراتيجي والاقتصادي، ثم ننتقل إلى تقييم المخاطر والسيناريوهات الممكنة والآثار الإقليمية والدولية.
(مصادر: رويترز، الغارديان، الألجا-زيرا، وزارة الخارجية الأميركية، مؤلفات تحليلية لـCFR وبريتانيكا).
تاريخ الدولة والنظام السياسي والاعتماد على النفط — لماذا تُهم فنزويلا هذا التوتر؟
فنزويلا دولة ذات ثقل تاريخي واستراتيجي في أمريكا الجنوبية بسبب مواردها الهائلة من النفط، وبسبب مسارها السياسي منذ صعود هوغو تشافيز في 1999. احتياطيات النفط المؤكدة لفنزويلا تُعد من الأكبر عالمياً، لكن هذا المورد الضخم لم يمنع الدولة من الانهيار الاقتصادي. بعد تشافيز ارتبطت الدولة بسياسات "الاشتراكية البوليفارية" التي أعادت توزيع عوائد النفط ووسّعت دور الدولة، لكن الإدارة الاقتصادية على مدى العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين تعرضت لأخطاء إدارية، فساد، تباطؤ استثماري، وانهيار إنتاجي حاد. الأثر المركّب لهذه العوامل، إلى جانب هبوط أسعار النفط في أعوام سابقة، قاد إلى تقلّص إيرادات الدولة وخلق أزمة مالية ونقدية حادة. تقارير غربية توضح أن إنتاج النفط تراجع من نحو 3 ملايين برميل يومياً قبل الأزمات إلى أقل بكثير من ذلك خلال السنوات الأخيرة، مع تدهور البنية التحتية لمرافق الإنتاج والتكرير.
النظام السياسي منذ وصول مادورو بات أكثر تحكّماً بمؤسسات الدولة: القضايا تشمل اتهامات بتزوير الانتخابات، قمع معارضين وسيطرة على القضاء ووسائل الإعلام. المعارضة خاضت جولات من الاحتجاجات والمناورات السياسية، ولا سيما محاولة حكومة معارضة وكتل برلمانية سابقة للحصول على اعتراف دولي أو دعم خارجي. من زاوية واشنطن والحلفاء الغربيين، هذا السلوك واجه عقوبات اقتصادية وقيوداً على كبار المسؤولين، لكن الحصار الاقتصادي لم يفض إلى تغيير سريع، بل ساهم في تدهور معيقات معيشية أدت لزيادة هجرة السكان.
أهمية السياق النفطي لا تقتصر على الداخل: للنفط تأثير جيوسياسي—التحالفات الدولية، خصوصاً مع روسيا والصين وإيران، شملت دعماً سياسيّاً وربما مساعدات فنية وعسكرية لتمتين عمليات الدفاع، ما جعل المواجهة مع الولايات المتحدة ذات تكلفة أعلى. كذلك، أي اضطراب كبير في فنزويلا قد يؤثر على أسواق الطاقة الإقليمية إن حصل شلل حقيقي في إنتاج أو خط إمدادات. العوامل الاجتماعية (موجات الهجرة، أزمة الصحة العامة، انحدار الخدمات) تجعل المجتمع عرضة لزعزعة طويلة الأمد، وتحوّل أي تدخل عسكري إلى خطر أزمة إنسانية واسعة.
من هنا يظهر أن التوتر ليس مجرد مسألة أمنية ضيقة؛ إنه تقاطع بين اقتصاد المورد الأحادي، شرعية النظام الداخلي، والرهانات الإقليمية والدولية — ما يجعل أي خطوة عسكرية أو غيرها ذات تبعات بعيدة المدى يصعب احتواؤها.
(مصادر: دراسات CFR، بريتانيكا، تقارير صحافية تحليلية من رويترز وغارديان).
الانهيار الاقتصادي والملف الإنساني — كيف تهيّأ الداخل لفوضى محتملة؟
الانهيار الاقتصادي في فنزويلا خلال العقدين الأخيرين تحول إلى واحد من أكثر الانهيارات غير الحربية حدةً في التاريخ المعاصر، وهو الأمر الذي يفسر هشاشة الدولة وسهولة تصاعد التوترات. مؤشرات التضخم، انهيار قيمة البوليفار، ندرة السلع الأساسية، ونقص الأدوية والخدمات الطبية الأساسية أدّت إلى موجة نزوح ضخمة؛ تقديرات المنظمات الدولية تشير إلى أن أكثر من 7 ملايين فنزويلي غادروا البلاد خلال السنوات الماضية بحثاً عن فرص ومعيشة. هذا النزوح خلق ضغوطاً على دول الجوار ولا سيما كولومبيا والبرازيل، ما بدوره يجعل الأزمة شأنًا إقليميًا لا يمكن لواشنطن أو لأي لاعب إقليمي تجاهله.
انهيار البنية التحتية أثر أيضاً على إنتاج النفط: الحواجز التقنية، نقص قطع الغيار، هجرة الكفاءات الفنية، وانخفاض الاستثمارات الأجنبية أدّت إلى تقلّص حاد في قدرة البلاد على استغلال احتياطياتها. وبالتالي فالإيرادات الحكومية تراجعت، مما زاد الاعتماد على شبكات اقتصاد موازٍ، وخصوصاً على الجماعات المسلحة والمهربين الذين استفادوا من الفراغ الاقتصادي لفرض وجودهم. تقارير غربية تربط بعض شبكات التهريب بمسؤولين أمنيين سابقين أو حاليين، وهو ما أدى إلى اتهامات متبادلة بين واشنطن وكاراكاس حول تورّط موظفين حكوميين في تجارة المخدرات.
الجانب الإنساني يجعل أي خيار عسكري محفوفاً بمخاطر كبرى: قصف أو هجوم يؤديان إلى نزوح داخلي أو خارجي جماعي سيُحوّل الأزمة إلى كارثة إنسانية، ويزيد الضغوط على المنظمات الدولية والبلدان المجاورة. بالإضافة لذلك، أي انهيار أكبر للنظام قد يفتح المجال لصعود قوى مسلحة محلية أو عصابات إقليمية، ما يجعل عملية إعادة الاستقرار في ما بعد تدخل عسكري أكثر تعقيداً وتكاليف. لذلك كثير من الدول الغربية، رغم انتقادها لحكومة مادورو، تُظهر تردداً واضحاً من خيار عسكري شامل لصعوبة إدارة النتائج الإنسانية والسياسية.
الخلاصة: وضع الاقتصاد والإنسانية داخل فنزويلا يزيدان من احتمالات تصاعد غير متحكم به، ويجعلان أي عملية عسكرية محملة بعواقب تفوق مكاسبها المباشرة، وهو سبب رئيسي لوجود ضغوط دولية لإيجاد حل سياسي أو خليط من الضغط الخارجي والوساطات الإقليمية.
التحركات العسكرية والدبلوماسية الأمريكية: ما الذي تغيّر عملياً؟
خلال الأشهر الماضية شهدت المنطقة عمليات بحرية وجوية أمريكية متزايدة قرب سواحل فنزويلا، بما في ذلك تحرّكات حاملات طائرات وسفن حرب وس strikes ضد زوارق يُزعم أنها جزء من شبكات تهريب المخدرات. إدارة ترامب أذنت بسياسات توسعية لمكافحة الاتجار بالمخدرات تضمنت صلاحيات أوسع للبحرية وللقوات الخاصة، وكذلك تصنيف جهات داخل الدولة باعتبارها "منظمات إرهابية" يبرر إجراءات أقوى. إعلان زيادة مكافأة اعتقال مادورو إلى 50 مليون دولار (تم الإعلان عن مضاعفة مكافأة سابقة) مثال صارخ على نهج "الضغط الأقصى" الذي يجمع أدوات جنائية، دبلوماسية وعسكرية.
الأحداث الأخيرة التي جذبت اهتمام الرأي العام الدولي كانت سلسلة الضربات التي نفّذتها الولايات المتحدة ضد قوارب في مياه كاريبية ومحيطات مجاورة، والتي أفادت تقارير بأنها أدت إلى سقوط عشرات القتلى. هذه الضربات أثارت جدلاً داخلياً في الولايات المتحدة وفي الكونغرس حول الجوانب القانونية والأخلاقية، خاصة فيديوهات وتصريحات تشير إلى أن بعض الضربات طالت أشخاصاً كانوا قد باتوا عاجزين أو نجوا من هجمات سابقة، ما أثار اتهامات محتملة بخرق قانون النزاعات المسلحة. إدانات ونداءات للتحقيق ظهرت من نواب ديمقراطيين وبعض نواب جمهوريين. المصادر الغربية الكبرى نشرت تحقيقات واستجوابات برلمانية بشأن هذه العمليات وتفاصيل إصدار الأوامر.
من الناحية الدبلوماسية، تصريحات ترامب ومفاوضاته الهاتفية مع مادورو (بما في ذلك التقارير عن مهلة لمغادرة البلاد طواعية) أعطت انطباعاً بأن الإدارة ليست مستثنية من خيار تقديم خروج آمن كجزء من مفاوضة لتجنّب تصعيد أوسع؛ لكن تحديد "خط أحمر" مثل إغلاق المجال الجوي الفنزويلي أو الإعلان عن مناطق محظورة يعكس تصعيداً ملموساً في الخطاب. تقارير رويترز وأخرى أوضحت أن إدارة ترامب قد منحت صلاحيات أوسع للجيش لاتخاذ إجراءات ضد شبكات المخدرات داخل وخارج المياه الإقليمية، ما زاد من احتمال اصطدام العمليات البحرية بحدود السيادة الفنزويلية.
ختاماً، ما تغيّر عملياً هو نقطة التقاء أدوات متعددة: سياسة مكافآت واستهداف شخصي لقائد دولة، استخدام القوة البحرية والضربات الجوية ضد ممرات تهريب، وتصعيد دبلوماسي يتضمن إنذارات ومهلات. هذا المزيج يرفع احتمال حدوث حادث تقني أو حسابي يؤدي إلى مواجهة أوسع، خصوصاً حين تتقاطع العمليات العسكرية مع مساحات بحرية متداخلة ومصالح دول إقليمية.
حسابات التكلفة والمخاطر لكل طرف: واشنطن، مادورو وحلفاؤه، والمنطقة
أي قرار بتحويل الضغط السياسي والدبلوماسي إلى خيار عسكري يحمل حسابات تكلفة معقّدة جداً. من جانب واشنطن، المبرر العلني يتمثل في مكافحة شبكات تهريب المخدرات وحماية الأمن القومي الأمريكي، إضافة إلى المسعى لإضعاف نظام يعتبره مسؤولاً عن النزوح الجماعي والجريمة العابرة للحدود. لكن حساب التكاليف المحتملة يتضمن: (أ) تبعات إنسانية وسياسية داخل فنزويلا، (ب) تدهور علاقتها مع دول أمريكا اللاتينية وتبنّي ردود فعل إقليمية ضد التدخل، (ج) مخاطر مواجهة غير مباشرة مع حلفاء مادورو مثل روسيا أو تصعيد دبلوماسي مع الصين. كما أن العمليات العسكرية—حتى لو كانت محدودة—تحمل تكلفة مالية ولوجستية عالية.
بالنسبة لمادورو، الخيارات محدودة: المواجهة العسكرية المباشرة مع الولايات المتحدة مكلفة جداً وقد تكون مدمرة، لكن الاستسلام السياسي يهدد شرعيته وبقائه. لذا اعتمد مادورو على مزيج من الاستعراض العسكري (رفع جاهزية القوات، نشر دفاعات جوية)، بناء روافع داخلية (تحشيد مؤيدين، الاستناد إلى ميليشيات محلية)، والسعي لشرعنة دعمه دولياً عبر علاقات مع روسيا والصين وإيران. هذا المناوء يمنحه مجالاً لرفع كلفة التدخل على واشنطن، لكن في حال فقد السيطرة الداخلية فإن أسوأ النتائج تشمل حرب أهلية واحتكاك عسكري ممتد.
الدول الإقليمية تُواجه معضلات أيضاً: كولومبيا مثلاً تتحمّل تدفقات اللاجئين وتهديدات أمنية من نشاطات العصابات، بينما دول كالبرازيل والأرجنتين قد تضطر لاتخاذ مواقف دبلوماسية حسّاسة تزن بين رد فعل شعبي واعتبارات الأمن الإقليمي. ومن زاوية Moscov وBeijing، أي حرکة أمريكية توسعية قد تُستغل لتكثيف الدعم السياسي والاقتصادي لمادورو كوسيلة لفرض تكاليف على الولايات المتحدة في ساحة نفوذها التقليدية.
أخيراً، ينبغي ألا نغفل عامل 'الحادث الحسابي'—حادث بحري أو جوي بسببه خطأ تحديد الهدف أو تلاقي سفن/طائرات قد يُحوّل حملة محدودة إلى نزاع أوسع. تاريخ العمليات البحرية يظهر أن الأخطاء التقديرية والأسرار التشغيلية قد تؤدي إلى توترات لا تحمد عقباها، خصوصاً في مناطق متشابكة سيادياً وجغرافياً. هذا يضع عتبة عالية أمام أي قرار عسكري ويجعل الخيار السياسي والوساطة الإقليمية أكثر جاذبية رغم بطئهما.
السيناريوهات المحتملة والنتائج المتوقعة (سياسة، أمن، إنساني) — خريطة طريق بثلاثة سيناريوهات رئيسية
أ. سيناريو التهدئة والتسوية المحدودة (سيناريو أقل كلفة نسبياً)
في هذا المسار، تُستخدم الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية مع عرض "مخرج آمن" للمادورو مقابل انسحاب تدريجي من السلطة أو حصوله على ضمانات مغادرة مع عناصر من النظام. هذا يتطلب وساطات إقليمية (مثل دول كولا، المكسيك أو حتى وسطاء من أوروبا) والالتزام بعدم تدخل عسكري. النتيجة المتوقعة: استقرار نسبي قصير الأمد، احتمال ترتيب حكومة انتقالية واختيار موعد لانتخابات. التحدي: ضمان تنفيذ التزامات الطرفين وثقة الجمهور والمعارضة. مصادر: تحليلات رويترز والغارديان حول السبل الدبلوماسية ومطالب واشنطن.
ب. سيناريو الضربات المحدودة والضغط العسكري
يتضمن هذا السيناريو ضربات مخاطبة لأهداف عسكرية أو بنى تحتية مرتبطة بشبكات تهريب، مع سعي لخفض الأضرار المدنيّة عبر استهدافات دقيقة. المخاطر: خطأ استهداف، تصعيد ردود الفعل، فقدان شرعية دولية إذا سقط مدنيون، واضطراب إقليمي. نتيجة محتملة: إضعاف جزئي لقدرات النظام مع استمرارية أزمة سياسية وإنسانية. تقارير عن توجيهات ومناورات أمريكية والضربات على الزوارق تعكس هذا النمط.
ج. سيناريو التدخّل الواسع أو الانهيار الداخلي
وهو الأقل احتمالاً لكنه الأخطر: تدخل بري واسع أو انهيار داخلي يؤدي إلى فراغ أمني واسع، مع احتمال صراع مسلح طويل. التداعيات: موجات لجوء هائلة، تمزق مؤسسات الدولة، تكاليف إعادة إعمار وسيطرة موقتة من قوى خارجية أو داخلية. المجتمع الدولي—حتى الحلفاء التقليديين—سيجدون صعوبة في دعم حل مستدام سريعاً. وكما أشارت تحليلات الغارديان وفاينانشال تايمز، هذا السيناريو سيحمل تكاليف سياسية ومالية وجيوسياسية هائلة.
في كل السيناريوهات، العامل المشترك هو عدم اليقين: الحوادث الميدانية، تحركات سريعة للسفن والطائرات، والتداخل بين أهداف مكافحة المخدرات والسياسات ذات الطابع الإقليمي يمكن أن يغيّر المسار بسرعة. لذلك، أي توقع يجب أن يضع في الحسبان مرونة الردود وتعدد الجهات الفاعلة داخل وخارج فنزويلا.
خاتمة واستنتاجات عملية: ماذا ينبغي مراقبته الآن؟
في الختام، ما يحدث حول فنزويلا في ديسمبر 2025 ليس فقط مواجهة ثنائية بين دولتين؛ إنه اختبار لحدود استخدام القوة في مواجهة شبكات غير تقليدية (تهريب المخدرات) داخل إطار دولة ذات موارد استراتيجية وصراعات داخلية. النقاط العملية التي ينبغي متابعتها عن كثب: (1) أي تطور في سياسات واشنطن الرسمية (إعلان مناطق محظورة، أو تصريح بعمليات برية)؛ (2) مزيد من الأدلة أو الإفصاحات حول ارتباطات شبكة "Cartel of the Suns" مع قيادات النظام؛ (3) رد فعل روسيا/الصين على أي تحرّك عسكري أمريكي؛ (4) تقارير أممية ومساءلات قانونية داخل الكونغرس عن شرعية الضربات البحرية الأخيرة؛ (5) تطورات إنسانية — أعداد النازحين والطلبات الطارئة للمساعدات.
التوصية السياسية للمجتمع الدولي وللدول الإقليمية هي الضغط المتزامن: تكثيف المسارات الدبلوماسية والوساطات، ربط أي تسوية بتعهدات واضحة بانتخابات نزيهة ومراقبة دولية، وتجنّب خطوات عسكرية واسعة قدر الإمكان لأن ثمناً إنسانياً وسياسياً لا يمكن السيطرة عليهما. إن لم يتحقق ذلك، فستبقى احتمالات "حادث" يحوّل حملة محدودة إلى مواجهة أوسع قائمة على الدوام.
.jpeg)